ads
ads

ميراث المرأة في اليهودية والإسلام

الأحد 07-04-2019 16:51

بقلم
دكتور/ محمد مدبولي حبيب
أستاذ الترجمة والدراسات الاشتشراقية المساعد
بكلية اللغات والترجمة ، جامعة الأزهر

إن قضية ميراث المرأة من أهم قضايا المرأة، التي شغلت الرأي العام في الآونة الأخيرة، لا سيما بعد أن أقرت دولة تونس المساواة في الإرث بين الرجل والمرأة ؛ لذا سوف نشير هنا إلى ميراث المرأة في اليهودية والإسلام ، تلك القضية القديمة المتجددة.. والواردة في نصوص العهد القديم وتفسيراته ، وكذا في القرآن الكريم.. والتي يتضح من خلال عرض هذه النصوص والمقارنة بينها كيف كرّم الإسلام المرأة تكريماً عظيماً، وأعلى من شأنها ومنحها جميع حقوقها ؛ من هذه الحقوق جعل لها حقاً لم تكن تناله من قبل في الجاهلية والكثير من الشرائع والحضارات القديمة ؛ ألا وهو حق الإرث في تركة أبيها أو في تركة الزوج أو الابن وسائر ذوي القربى … فالمرأة في الإسلام تحظى بمكانة لم تحظ بها نظيرتها في اليهودية أو التشريعات والحضارات القديمة.. وعلى الرغم من هذا تثار الكثير من الشبهات حول قضية ميراث المرأة في الإسلام ، بدعوى أن الإسلام ظلم المرأة ، وجار على حقها ، بأن جعل ميراثها نصف ميراث الرجل..
وفي الحقيقة إن إثارة مثل هذه الشبهات والمزاعم الباطلة – التي لا تدل إلاّ على جهل قائلها وعدم فهمه بحقيقة الدين الإسلامي – الهدف منها هو محاربة الدين الإسلامي ومحاولة تشويهه. فالإسلام هو دين الفطرة التي فطر الله الناس عليها ، وقد بيّنت النصوص القرآنية أن الله – تعالى – خلق الإنسان – ذكراً كان أم أنثى – من أصل واحد ، فقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً﴾.( النساء : 1.) وأن إرادة الله من هذا التنوع في الخلق- ذكوراً وإناثاً – له حكمته البالغة ، وقد جعل العلاقة بين هذين النوعين – الذكر والأنثى – قائمة على المساواة بينهما في أصل الخلق وفي الحقوق والواجبات، وفي التكريم والتكليف والجزاء ، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا﴾.( الإسراء : 70.)
وإذا كان القرآن الكريم قد جعل للرجال على النساء « درجة » ، في قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.( البقرة : 228. ) فَقَوَام هذه الدرجة هو المسئولية والتكليف من جانب الرجل أكثر من المرأة ، قال ابن عباس إن معنى ﴿وللرجال عليهن درجة﴾: « بما ساق إليها من المهر، وأنفق عليها من المال». قال القرطبي: أي « منزلة … وزيادة درجة الرجل بعقله وقوّته على الإنفاق». ولهذا ، كان الذي بين الرجل والمرأة من فضل هو درجة ! « درجة واحدة.. لا يخف بها ميزان المرأة ، إزاء الرجل ، ولا تضمر شخصيتها إزاء شخصيته (…) فهذه الدرجة لازمة لقيام الشركة بين الرجل والمرأة على مودة ورضا». وقال ابن العربي في أحكام القرآن: « طوبى لعبد أمسك عما لا يعلم، وخصوصاً في كتاب الله العظيم، ولا يخفى على لبيب فضل الرجال على النساء ، ولو لم يكن إلا أن المرأة خُلِقت من الرجل فهو أصلُها، لكن الآية لم تأتِ لبيان درجة مطلقة حتى يتصرف فيها بتعديد فضائل الرجال على النساء …. ومنها : وجوب الطاعة، حق الخدمة، حجر التصرف إلاّ بإذنه، أن تقدم طاعته على طاعة الله في النوافل ، فلا تصوم إلاّ بإذنه ، ولا تحج إلاّ معه ، وبذل الصداق وإدرار الإنفاق..».
والقوامة في قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾( النساء : 34.).. يراد بها مزيداً من الأعباء الثقيلة ، بحكم طبيعة الرجل التي تتميز بالقوة في أمور معينة ، وفي ضوء ذلك هناك من يجعل للمرأة «قوامة» أيضاً على اعتبار أنّ « حقيقة القوامة المسئولية المتخصصة ، والتكليف الأزيد ، بحكم التأهيل الفطري والقيادة والريادة في ميادين بعينها – كانت قوامة المرأة في الميادين التي هي مؤهلة للبراعة فيها أكثر من الرجل.. فهي ليست محرومة من هذه القوامة ، أي الريادة والقيادة والرعاية ، أي أن هذا التمايز بين الرجال والنساء إنما هو تمايز بين جملة ومجموع النوعين ، وليست بين كل فرد وآخر من النوعين. وهو تمايز في الدرجات داخل إطار ذات التكاليف المكلّف بها الرجال والنساء». فلم ينظر الإسلام إلى المرأة نظرة تفرق بينها وبين الرجل.. فالإسلام يساوي بينهما في الإنسانية، وتختلف عن الرجل في بعض الصفات التي تجعلها أنثى ، كما يختلف عنها في بعض الصفات التي تجعله رجلاً..
لقد وضع الإسلام المرأة في صورة كريمة ومشرقة فقد سوّى بينها وبين الرجل فيما أناط بهما من تكاليف، وما وجه إليهما من أوامر وزواجر… وبرغم كل هذا ، فإن «النظرة السائدة في الغرب تريد المرأة « نَدّاً مساوياً للرجل» في كل ميادين الحياة… أما النظرة الإسلامية فإنها تريدها «الشق المُكَمِّل والمُساوي للرجل» فتتساوى معه في الإنسانية والتكليف والجزاء ، وتتميز عنه بأنوثتها ، كما يتميز هو عنها بذكورته ، على النحو الذي يقسم العمل بينهما بما يحفظ فطرة الله في تمييز كل منهما عن الآخر بحيث تكون العلاقة بين شقين متكاملين ، يثمر تكاملهما سعادة الجنس البشري ، وليست علاقة نِدّيْن متماثلين ، تثمر النفور والشقاء». وعلى الجانب الآخر ، لم تحظ المرأة بحقها في الميراث أو غيره مثلما أعطاها الإسلام ، فالمرأة في اليهودية لا ترث إلاّ بقيود وشروط شديدة ، بل اعتبرت اليهودية المرأة جزءًا من الميراث ، شأنها في ذلك شأن بعض الحضارات والتشريعات القديمة كما سيوضح البحث … لكل هذا وغيره تكمن أهمية البحث.
وتجدر الإشارة إلى أننا عندما نتحدث عن التوراة فإننا نقصد التوراة التي بين أيدي اليهود الآن.. وكذا التشريع اليهودي لا نعني به ذلك التشريع أو الديانة التي نزلت على موسى عليه السلام ، فنحن نؤمن بها كما نؤمن بالإسلام إذ لا يكتمل إيمان المسلم إلاّ بإيمانه بالرسل والكتب الدينية السابقة للإسلام ، مصداقا لقوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:285] ، فعندما نقول اليهودية أو التوراة فإننا لا نقصد سوى ما بين أيدي اليهود الآن منهما.. الأمر الذي يؤكد أننا لا نتعرض لليهودية الديانة المنزلة من عند الله تعالى،، ولكن الأمر يتعلق بما وضعته أيدي اليهود وحاخاماتهم من تحريف متعمد لأغراض دنيوية وأهداف صهيونية ،، نشك بل نجزم عدم نسبتها إلى الله سبحانه وتعالى .
وأما عن أسباب الإرث في الإسلام: فقد بدأ الإسلام يتدرج مع المسلمين في الميراث ، كما تدرج معهم تحريم الخمر والربا، فجعل في البداية الأخوة سبباً من أسباب الإرث بعد أن هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وآخى بين المهاجرين والأنصار، فقصر الميراث على المسلمين الموجودين في المدينة ، وكان تشريع الميراث بالمؤاخاة في بداية الأمر يرجع إلى قلة عدد المسلمين وحاجتهم إلى مؤازرة بعضهم لبعض، ومنع انتقال أموالهم إلى أقاربهم من المشركين في مكة فيستفيدوا منها في محاربة المسلمين… وما إن قويت شوكة الإسلام وتمكن من نفوسهم ودان الأمر لهم وتم فتح مكة ودخل الناس في دين الله أفواجا ؛ حتى نسخ الله التوارث بالهجرة (بالمؤاخاة) بعد أن زالت الأسباب التي جعلت المهاجرين والأنصار يتوارثون بالأخوة في الدين. وتتعدد أسباب الإرث في الشريعة الإسلامية إلى قرابة وزواج وولاء. أما السبب الأول، القرابة أو النسب: وهي الصلة النسبية بين المورث والوارث بالولادة ، وهي أقوى أسباب الميراث؛ لأنها من أصل الوجود، ولا تزول وتشمل الفروع والأصول والحواشي وذوي الأرحام. السبب الثاني، الزوجية أو النكاح: والزوجية التي تعد سبباً من أسباب الميراث هي ما كانت بعقد نكاح صحيح شرعاً، والزوجية أقوى صلة حيوية اجتماعية، ولذا ورّث الإسلام الزوج من زوجته، والزوجة من زوجها.. وذكر البعض أن الزوج يرث زوجته والزوجة ترث زوجها بمجرد العقد وإن لم يحصل وطء أو خلوة لعموم قوله تعالى (ولكم نصف ما ترك أزواجكم). السبب الثالث، الولاء : من كان لك عبد وأعتقته، ثم مات وليس له وارث فهو أحق بميراثه.. لحديث عائشة – رضي الله عنها- ( إنما الولاء لمن أعتق). سواء كان العتق تبرعاً أو نذراً أو كفارة.
أما عن أسباب الإرث في اليهودية فهي أربعة : البنوة والأبوة والإخوة والعمومة .. فإذا توفي الأب كان ميراثه لأبنائه الذكور ويكون للولد البكر مثل حظ اثنين من إخوته الأصغر سنا منه .. وإذا ترك الأب المتوفى أولادا ذكوراً وإناثاً ؛ كانت التركة من حق الذكور وحدهم دون الإناث مع مراعاة أن يكون للبنات حق النفقة من التركة حتى تتزوج البنت أو تبلغ سن البلوغ. هذا والأم لا ترث ابنها ولا ابنتها ، أمّا إذا ماتت الأم كان ميراثها لابنها إن وجد وإلا فلبنتها, فإن لم يكن لها ابن ولا بنت كان الميراث لأبيها إن كان موجوداً وإلاّ فلجدها لأبيها. وليست الزوجية من أسباب الإرث في اليهودية ، فكل ما تملكه الزوجة يؤول بموتها ميراثا شرعيا إلى زوجها وحده لا يشاركه فيه أقاربها. أما الزوجة فلا ترث زوجها ولكن لها الحق في أن تعيش من تركة زوجها الميت… وإذا لم يكن للميت فروع ولا أصول وكان له أقارب فالميراث لأقاربه ، وأما إذا لم يكن له وارث من فروع أو أصول أو حواشي كانت أمواله مباحة لأسبق الناس إلى حيازتها، وتكون وديعة عنده مدة ثلاث سنوات ،فإذا لم يظهر وارث للميت في أثناء هذه المدة كانت ملكاً لحائزها ملكاً تاماً.
الخاتمة:
– يحتل علم الميراث مكانة رفيعة في العلوم الإسلامية.
– تختلف أسباب الميراث في اليهودية عنها في الإسلام.
– اهتمت الشريعة اليهودية بالذكورة وجعلتها المبدأ الحاكم للميراث.
– تفضل الشريعة اليهودية الابن البكر على جميع إخوته ليس الإناث فحسب ، بل الذكور والإناث ، فيرث الابن البكر نصيب اثنين من إخوته الذكور.
– الزوجية ليست من أسباب الإرث في اليهودية ، فالزوجة لا ترث بل يرثها زوجها.. والأكثر من ذلك أنها تعد جزءًا من الميراث.
– تحرم المرأة في الشريعة اليهودية من الميراث في وجود الولد الذكر، فلا ترث البنت شيئاً من تركة أبيها إذا وجد لها أخ ذكر.
– ترث البنت في اليهودية بشروط:
1- عدم وجود وارث ذكر.
2- عدم الزواج من خارج سبطها.
– في حالة أحقيتها في الميراث ، يترتب عليه حرمانها من حريتها في اختيار شريك حياتها.. إذ تشترط عليها ألاّ تتزوج من سبط غير عشيرتها.
– بالنظر إلى نظام ميراث المرأة في اليهودية ، فضلا عما سبق ، يتضح أنها في الحقيقة لا ترث شيئاً ، وأن جلّ ما ورد عن ميراثها وهم كبير؛ فالمرأة بعد الزواج تنتقل تركتها وميراثها إلى زوجها. واشتراط التوراة زواج البنت من قريب لها تتمة لهذا الوهم حيث ينتقل المال لهذا الزوج الذي يرث كل شيء عنها وهي لا ترثه.
– أما نظام ميراث المرأة في الإسلام ، فيوضح حُسن الشريعة الإسلامية ومدى صلاحيتها لكل زمان ومكان.
– أسباب الميراث في الإسلام يشمل كل قرابة الميت… والزوجية في الإسلام سبب من أسباب الميراث على عكس اليهودية.
– يختلف نصيب الورثة في الإسلام باختلاف درجة القرابة للميت.
الله أسأل أن أكون قد وفقت في هذه الدراسة ، وحسبي أني اجتهدت، فما كان من صواب فمن الله وحده، وما كان من خطأ أو نسيان فمنى ومن الشيطان .

اضف تعليق