ads
ads

“قبر الذكريات” للشاعرة وهيبة

الإثنين 11-03-2019 07:33

قبرُ الذّكريات

للشاعرة/ وهيبة قوية


كعُصفورٍ بلا ريشٍ، بلا شَدْوٍ…
هَوَى… مِلْءَ الجناحِ بأرضِها،
وعلى شَفا رَوْضٍ من النّعناعِ والزّهرِ المُكلّل بالنّدَى
نَثر الدّعَاءَ،
ورِجفةٌ بيْنَ الشِّفَاهِ تُرتِّلُ الإسمَ المقدّسَ:
<<يا… سَمِيّةَ روحِها!>>…
ثمّ انْحَنَى، ظِلاّ يُعَانِقُ ظِلّها…
ظِلاّن ما الْتَقَيَا،
وما عرفا تسابيحَ الغرامِ وسِرّهِ
إلاّ بحُلمٍ من حُروفِ التّيهِ صَاغَ قَصيدَهُ،
فبِشطْرِه يَحْيَا شريدَ النّبضِ، يُطربُه النّشيدُ ولحنُه
وبشطرِه الثّاني، يُلاحقُ وجهَها،
متبتّلاً،
هيمانَ…
والحرفُ العَصيُّ يُعانِد الأشواقَ بينَ ضُلُوعِهِ…
يَطوفُ بظلّ مقامِها عَشْرًا،
وتَسْعَى حَفنةٌ مِنْ ماءِ عيْنيه
إلى يده…
يبلّل وجْهه الظّمآنَ…
يرفعه،
ويتلو إسْمَها… عَشْرًا…
وينسى العدَّ كَمْ ألفًا… بِها تِطوافُهُ رَقّى،
كَصُوفيٍّ… يَطوفُ بِكَعْبَةِ العُشّاقِ إذْ يَرْقَى…
فيا لَلهِ! كمْ يشقَى!…
غريبًا جَاءَ مُشْتاقًا،
ترنّحَ في ظِلالِ تُرابِهَا عِشقًا…
تَقدّسَ إسْمُ مَنْ أحنتْ على أضلاعِهِ ضِلْعًا
تُضمّدُ جُرْحَ خطوَتِهِ…
برُؤيا حينَ غفوَتِه…
لدى صفْصَافةٍ وقفت برابيةٍ
تُحيّي عاشقا وَلِهًا…
تُبارِكُ خطوَهُ يَسْعى.
*
يضجّ بصدره التّنهيدُ، يفضحُ أمْرَهُ…
فتُثَرْثِرُ العَيْنانِ بالدّمع الشّجيِّ…
ومرّة تلهو يداه بحفنةٍ من تُرْبِها
ويخطّ رسما غائما…
عبثُ الطّفولَةِ يُبهجُ القلبَ الكسيرَ
فيُبدِعُ التّصويرَ في ألواح غُربَتِه…
وماءُ الرّوح يُحييها،
فتورِقُ في جِنانِ الرّوض أفنانٌ لظلّ مُنْحَنٍ
يستنبت الأحلام في قبرٍ…
لدى صفصافة وقفت برابيةٍ،
تُلوّحُ للغريبِ بغُصْنهَا المتكسّر الْحَانِي
وتتْلو آيةً من سِفْرِ حِكمتِها:
<<شَقيٌّ…
من يراود في خريف العُمر عِشقًا في جَنانِ شَقِي>>…
*
تَغيمُ برأسه الأفكارُ… مرّاتٍ،
ويطفُو وجهُها فوق الغمامِ كنجْمةٍ في الصّبح تاهَ مدارُها
فيُقِيمُ في مِحراب ذكْراها
ومِسبحَةُ الدّموع بعينِ قلبٍ ساجدٍ بمَزارِها…
يتلُو وَصاياها ويُشْهِدُ قلبَه…
ما زال يحفظ عهدها،
ما زال باسم الحبّ يعزف لحْنَ حُرْقَتِهِ…
ويَغرَقُ في ثنايا صمته حِينًا،
وحِينًا…
آهةٌ مكتومةٌ تَقْتَاتُ من أنفاسه
آهٍ! تُكسّر صمتَه…
آهٍ! تُكسِّر ضِلعَه…
آهٍ!!!
يناجي طيفَها…
يَهْذِي بآهاتٍ… ويجرَحُه المدى…
كانت هُنا…
وهُنا إشارة قلبه،
بشِغافه دقّت مواثيقَ الهوى،
طافَتْ بشمسِ النّبضِ في شِرْيانِه،
وعَلى مَرايَا قلبِه ألْقَتْ تعاليمَ الوفاءِ
وأطفأَتْ قِنديلَها…
كانت هُنا،
وهنا تقيم بروحِه… هي روحُه…
ظلّت هنا في مَبسم الأحلامِ،
في شَغَفِ اليديْنِ بوجهه،
ظلّت هُنا…
بحكايةٍ تركتْ ملامحَها منقوشةً
في راحتيْها…
في جَلالِ الصّمتِ تنمو مِثْلَ نعناعٍ بتُرْبَتِها
لدى صَفْصَافَةٍ وَقَفَتْ
بِرَابِيَةٍ لتحْرُس ظلَّها الغافي…
*
توسّد خدَّها، ومَنابعُ الذِّكْرى تُغَسِّلُ وَجْهَهُ،
وتخطّ مَجْرى بيْن أزهارٍ ونعناعٍ بروضتها…
طُيوبٌ حرّكت أعْطَافَ قلبِ الخاشعِ،
فأعاد ضَمّ ضُلُوعِهِ وضلُوعِها،
وتنفّس العطرَ الّذي في طينِها…
<<أشتاقها>>
همَستْ جوارحُه،
وفاضت من دنانِ الرّوحِ أنفاسٌ،
ترتّل شوقه…
يشتاقها…
يشتاقها…
يشتاقها!!!
لا شيْءَ إلاَّ زفْرَةٌ ولُهاثُه ملْءَ الفراغ،
وضِلْعُه المكْسورُ فوق ترابها…
عطِشًا…
يمدّ يدًا لآنية تفيض بمائها
تأوي الطّيور لنبعها،
شَرِبَ الزّلالَ وصار يعجِنُ طينَه بمياهها…
والقلبُ يقرأ آيةً من سِفرِ ذكراها،
يَطُوفُ بِوَجْهِهَا عَشْرًا…
يغصُّ بدمعِهِ عشرًا…
لَدى صفصافةٍ وَقَفَتْ برابيةٍ
لتحرُسَ قبرَ ذِكْرَى يَوْمَ وَدَّعَهَا بِخَاتِمَةٍ…
على مَرْأى من الأطيارِ عابرة،
بلا ذِكرى…
تُرتّلُ بعضَ حكْمَتِها:
<<شقِيٌّ…
من يُوارِي الحزنَ في ذكْرَى ويُحْيِيهَا بِخَاتِمَةٍ وحَجِّ شَقِي…
شقيٌّ عاشقُ الذّكرى>>…
وهيبة قويّة 

اضف تعليق