ads
رئيس التحرير
ads

في جدلية الموت والحياة المخرجة السورية إيناس حسينة تتألق في تراب

الأربعاء 05-12-2018 05:50

 سوريا: الهام غانم عيسى

بدأت اليوم على خشبة المسرح القومي في المحافظة السورية طرطوس عروض مسرحية (تراب)، إعداد:إيناس حسينة و زينب زمام عن نص (رثاء الفجر) للكاتب العراقي (قاسم مطرود) وإخراج إيناس حسينة

وقد افتتحت المخرجة مسرحيتها بعبارة ترحيبية دالَّة:« إذا كنا من تراب.. كيف لا ينبت الورد منا». ليبدأ بعدها العرض المسرحي الذي يتناول ثنائية الحياة و الموت في جدليةٍ فلسفيةٍ دون إغراقٍ في الرمزية أو المباشرة الخطابية.

وتدور أحداث المسرحية الكبرى في المقبرة من خلال زوجين ماتا بفارق زمني لتلقي روحاهما في العالم الآخر. إنهما ربَّا عائلة اختبرت الموت بمعناه الوجودي، و لم يبقَ من الأسرة سوى الابنة (سعدى) التي أبدعت في أداء شخصيتها الممثلة (مدى سليمان). الابنة ترجمت المعاناة الوجودية للموت في مونولوجاتها، و أسئلتها القلقة حول حق الحياة، و الموت، و حول الحق ذاته. الموت في (تراب) ليس موتاً فيزيائياً، بل كان أقرب إلى مفهوم (الفناء) عند المتصوفة، حيث الموت حياة.

وبهذا المعنى الصوفي الوجودي المركب لمفهومي الحياة و الموت يمكن أن نفهم مضمون مونولوجات الابنة(سعدى)، و الحوارات التي تجري بين الزوجين في العالم الآخر، و هما يتحدثان عن تجربة الموت في الحياة، و عن الموت المتعدد الذي يختبر الانسان بين ولادته الأولى و موته الأخير، و عن الشغف الذي يتجدد ليقتل الموت الذي بدوره لا يستسلم لشغف التجدد في الحياة، و لا يريد أن يسمح بقيامة جديدة للإنسان الذي يتماهى، أحياناً، مع العبث حين يفقد إرادة(و ربما ملَكَة) الشغف.

وتقدم المسرحية حالاتٍ مختلفةً من الموت، ابتداءً من موت الفرد الوحيد، إلى المجازر الجماعية، إلى الشهيد الذي لم تعرف أمه معنى معاناة الموت إلا بعد موت ابنها، مع أنها عانت من موت الزوج سابقاً.

ولذا فإن الأم التي عانت تجربة الموت من خلال إحساسها بأن ابنها ينزف، و يتألم، و يبكي، و يعاني، ثم يموت.. ليكون الموت، هاهنا، رمزاً لموت الانسان و الضمير و الأخلاق فينا، بقدر ما هو دعوة للشغف بالحياة التي تبدو مجرد تجريب، يحيل إلى قيامات جديدة كلما وعينا بعمق معنى الحياة و الموت، و جدليتهما الأبدية.

فإن الموتى في(تراب) لا يموتون، بل يبقون فينا، في اللمسة على الخد، في الضحكات، في الرائحة، و كلما بللنا تراب الراحلين بالدموع ينبعثون من جديد خالدين في الذاكرة و الوجدان. حارسا المقبرة كانا نموذجين للأشخاص اللذين يعيشون على هامش الحياة، مستسلمين لعبثية أقدارها،

وتقف الابنة في مقابلهما كحياة تتجدد، و يتجدد فيها الشغف، و حضور الراحلين كأحياء و ليس كأموات، من خلال رقصةٍ متقنةٍ مزجت بين المولوية و التعبيرية بأداء لافت للممثلة (مدى سليمان) التي أدت الدور باحترافية عالية.

و كذلك كانت (زينب زمام) مبدعة في أداء دور الزوجة، و بدت خبرة الفنان ( عزام الضابط) واضحة في أدائه المتقن لدور الزوج. و من قرأ نص (رثاء الفجر) يستطيع أن يلحظ الاجتهاد الكبير للمخرجة إيناس حسينة، و زينب زمام في إعداد العرض، و تبييئه باللهجة العامية، ليكون معبِّراً عن الموت في الواقع خلال سنوات هذه الحرب الكونية على الانسان في وطننا.

تميز ديكور العمل بالبساطة، و موحياً بلا تكلُّف أو مبالغة، و الإضاءة المدروسة أضفت عمقاً، و بعداً جمالياً للديكور البسيط. اختيار الموسيقا كان موفقاً متناسباً مع الموضوع و الحدث.

وقد كان معظم فريق العمل يقف على المسرح للمرة الأولى، فيما عتبر (تراب) هو العمل الأول للمخرجة إيناس حسينة التي بدت ممسكةً بأدواتها من المرة الأولى

اضف تعليق