ads
ads

عيسى عمران يكتب قصته: مـــــــريــــــم

الخميس 13-06-2019 07:19

القصة فكرة عيسى عمران ورغد حسين
تأليف وتنفيذ: عيسى عمران
كانت رغدة تستمع إلى تقرير يذاع في الإذاعة المحلية عن الايتام. و تشاهد صور طفلها الوحيد أحمد على جهازها الجوال الذي تركته مع والده عبدالله في دبي. وهي ذاهبة لمقابلة أختها الأصغر مريم في بيتها الصغير الذي تستأجره منذ زمن طويل. كانت عيونها تراقب المارة في الطريق وبين حين و آخر تقلب صورة جديدة لأحمد الصغير. كانت تشعر بالاشتياق لأحمد ولمريم و لمدينتها حمص التي ابتعدت عنها طوال سنوات الحرب. لم تعرف أتشعر بالحزن آم الفرح تجاهها فقد مزقتها الحرب إلى شطرين أخوين و جعلت انتصار أحدهما مقدرا على الآخر. صارت تستعيد ذكرياتها بغصة في المدينة كلما مرت بشارع جديد حتى وصلت إلى أمام منزل مريم.
طلبت من السائق المغادرة و نزلت بهدوء. كانت ترتدي قبعة واسعة و نظارات شمسية ملونة و ثوبا أزرق غالي الثمن. وحلي ذهبية صغيرة جميلة. وقفت أمام المنزل قليلا. أحتارت هل تتصل بأختها على الجوال لتفتح لها الباب. أم تطرق الباب مباشرة وتدخل. كانت تعلم أن أختها في الداخل. لأنها منذ ثلاثة أسابيع كانت تمر بأزمة نفسية معقدة ولم تغادر المنزل أبداً. كانت غاية رغدة من هذه الزيارة التي جاءت بالحاح من امها الاطمئنان على حالة مريم و معرفة سبب أزمتها النفسية ان امكن. لم تكن الاختان قد تقابلتا وجها لوجه منذ خمس سنوات عندما قدمت رغدة إلى سوريا مضطرة للمشاركة في تشييع والدهم الذي استشهد بأحد التفجيرات الكثيرة التي عانت منها حمص خلا سني الحرب. سمعت رغدة صراخ من داخل شقة مريم. كان صوت اختها يرتفع عاليا وهي ترد على امرأة أخرى. لم يلبث الصوت أن ازداد حدة و فتح الباب وخرجت منه امرأة تحمل طفلة صغيرة. كانت تتابع حوارها مع مريم بصوت عال يرتفع كلما ابتعدت ولم تنتبه لوجود رغدة أمام الباب. كما أنها لم تغلق الباب خلفها. ابتسمت رغدة و قررت الدخول. تذكرت كم مرة تكررت معهم ذات الحادثة في صغرهم. كانت مريم قوية الشخصية و صعبة المراس ولم تكن ترضى أن تتنازل عن مبادئها مهما كان السبب.
كان الباب الداخلي لا يزال مفتوحا. وقفت رغدة أمامه تستمع إلى أختها التي كانت تواصل الحديث وكأن جارتها لم تخرج بعد. أحست رغدة بالحنين فجأة و برغبة بالبكاء. تذكرت بتتابع ذكريات سريع ايامهما معا في ما مضى. منذ الطفولة حتى بداية الحرب. كان عمود الذكريات ينهار ويتطاير في كل اتجاه ملقيا الذكريات بلا ترتيب. ابتسمت وحبست دموعها و طرقت الباب. لكن مريم لم تسمع. بل حملت فناجين القهوة. وهمت بالذهاب للمطبخ. طرقت رغدة طرقتين اضافيتين و دخلت بلا استئذان.
تسمرت مريم في مكانها. تقدمت منها رغدة وقبلتها وهي لا تزال تحمل الصينية. تلاقت عيونهما. ابتسمت مريم. همت رغدة بالنطق لكن مريم ابتعدت واخذت الصينية إلى المطبخ. جلست رغدة على الاريكة وهي تتلفت حواليها. كانت شقة مريم غاية في الرتابة كل شيء في مكانه الصحيح. هذه كانت عادتها منذ الصغر دقيقة وانيقة.
صرخت مريم من الداخل :
منذ متى و أنت في سوريا.
ضحكت رغدة ضحكة خفيفة واجابت :
منذ يومين فقط
هكذا كانت علاقتهما دائما. لا مقدمات لا حميمية بل مشاعر مباشرة. كانت كل منهما تعرف الأخرى كما تعرف راحة يدها ومهما طال البعد بينهما يعود هذا الشعور عندما تلتقيان.
أشعلت رغدة سيجارة فتركت مريم الجلي و أحضرت منفضة سجائر سريعا حالما سمعت صوت القداحة. وضعتها أمام رغدة على الطاولة ثم عادت إلى المطبخ لمتابعة الجلي وتحضير القهوة. سألت مريم وهي عائدة :
كيف حال زوجك.
تجاهلتها رغدة وسألت بدورها :
من هذه المرأة التي خرجت وهي تصرخ. ردت مريم و هي تنفخ:هذه إحدى جاراتي. لا تلقي بالا لها هذه طبيعة حوارنا اليومي. عادت مريم و معها القهوة وضعتها على الطاولة وجلست على الاريكة المقابلة. رغدة :
كانت أمي تريد القدوم معي ولكن فضلت قدومي وحيدة قالت
انك تمرين بفترة صعبة.
مسحت رغدة انفها بعصبية و ردت:
ماذا قالت لك أخبريني.
ابتسمت رغدة
بقلك :لم تخبرني الكثير قالت انك تمرين بظروف صعبة وأنه علي ان أراك، فقط.
اعادت مريم راسها للخلف ونشرت يديها على الاريكة علامة اليأس:
من يوم ألقتني امك في هذه الحياة وأنا أعاني، ما الجديد في الأمر.
صبت رغدة فنجاني قهوة واخرجت سيجارة من علبتها ومدتها لمريم. وضعت مريم قدما فوق قدم ثم أخذت السيجارة ومدت جسمها للامام. كي تسمح لرغدة بإشعال السيجارة. ثم اخذت نفسا عميقا و نفخته طويلا.
مريم :تبا لهذه الحياة. متى سأرى بارقة أمل في هذا المجتمع بالتحديد ليس هناك حرية شخصية. الا يحق لي ان أعيش حالات نفسية معقدة بهناء، وحيدة، بلا سؤال من هذا و ذاك. كم تمنيت طوال عمري ان اكون حرة في شيء وحيد خاص بي.
رغدة :لقد كانت لك شخصية مستقلة طوال حياتك. لا اجد ما تقولينه صحيحا جميعنا كنا نخاف أن نقف بوجهك. لسبب واحد فقط. الا تظهري هذا الوجه بالتحديد لنا.
ضحكت مريم وعدلت من طريقة جلوسها:فعلا. كان يجب أن أحافظ على هذه الصفة طوال حياتي.
رغدة :الحياة بسيطة لا تتطلب كل هذا الحجم من التفكير. لقد عشت حياتي كما ارادتني ان اكون ليس كما اردتها ان تكون. وها انا ذا، لدي الكثير مما يجعلني اقول بأنني سعيدة فيها.
ضحكت مريم :نحنا اختان لا داعي لهذا المثالية الزائفة.
ضحكت رغدة :لا يمكن المزاح معك ابدا قولي لي. هل هناك رجل.
مريم :لا ابدا، هذا آخر سبب يدفعني للتعاسة
نفخت رغدة الدخان في وجه مريم وغمزت بعيونها. اخذت مريم سيجارة أخرى من علبة السجائر. اشعلتها ونظرت إلى السقف.
حاولت رغدة الضغط على مريم مجددا
:اذا الامر لا يتعلق برجل. كما اعتقجت امي.
انفجرت مريم غاضبة :أمي، همها الوحيد في الحياة تزويجي، وانا ابحث واصارع لاكون نفسي. لا تعرف ابدا من هو الشخص الذي يناسبني،كم مرة قلت لها ولكم، جميعكم تعرفون أنني أريد صنع مستقبلي بيدي.
لم تجد رغدة غير الدفاع عن أمها وسيلة :تعرفين جيدا أنها رغبة كل أم، والآن، نحن جميعا قلقون عليك ما الأمر.
في اليوم التالي كانت مريم تنظف البيت وتسمع أغان على التلفاز بصوت عال. رن هاتفها الجوال فلم تنتبه له. كانت هناك طرقات قوية على الباب تجاهلتها. رن هاتفها مجددا كانت رغدة تتصل بها. أقفلت الخط. وصلتها
رسالة من رغدة تقول فيها :افتحي الباب قدمت مع ابني.
ركضت مريم مسرعة وفتحت الباب. كانت رغدة واقفة تحمل هادي بيدها. صعقت مريم
:ما هذا، أين أحمد؟
أجابت رغدة :فعلا لقد نسيت أي أم أنا، وباعتباري اما فانه بإمكاني التبني، لقد اصبح هادي ابني منذ اليوم.وكما هو ابني هو ابنك. سأذهب غدا إلى دبي وأصلح الحال مع هاني. وبكل الأحوال سأبقى مع أحمد ولن أتركه بعد الآن مهما حصل.
سلمت هادي لمريم مع ورقة التبني وركبت سيارتها مسرعة. بينما وقفت مريم تحمل هادي وعيناها تغص بدموع الفرح.

اضف تعليق