ads
ads

عفيفى عبد الحميد يحاور الشاعر الكبير محمد سَليم خُرَيْبَة خريبة : ما سوى الشعر العمودى لا يعدو كونه فوضى أو من تعابير مرضى الأنفس

السبت 20-04-2019 16:23

 

أجرى الحوار: عفيفي التهامي

محمد سليم خريبة هو احد الشعراء الذين يشغلهم دائما حال الشعر العربى القديم . و الأعمال الأدبية التى تتراجع الى الخلف . فهو يحافظ على كتابة الشعر العمودى الموزون المقفى و دائما مهموم بحال الشعر و يجد أن الشعر بالنسبة له هو الماء و الهواء . و له إسهمات كبيرة فى الشعر العربى العمودى . فله دواوين شعرية . أضاف الى بحور الشعر العربى ما لم يستطيع أحد الإقتراب من هذه المنطقة منذ عصر الخليل بن احمد الفراهيدى . يكتب شعره و ينشره على نفقته الخاصة . فكان من الواجب علينا الغوص داخل هذ الشاعر لنتلمس ببعض ما يجول بداخله وكان لنا معه في ايجبت بوست وان لقاء 

أستاذ محمد كم ديوانا شعريا لك حتى الآن ؟
هى خمسة دواوين تمت طباعتها ورقيا ، تضاف إليها مسرحية شعرية ، هى ” شجون عامرية ” ، التى تمت طباعتها سنة 2009م ، ولى تحت الطبع خمسة دواوين ، وطباعتى ـ كما هو معروف ـ على نفقتى ، وأوزع مطبوعاتى هدايا .

لماذا نرى دواوينك كلها أو أغلبها تتحدث عن ” ليلى ” ؟
ليلى فرحة لم تتم ، ودمعة حرى لَمَّـا تجف ، وهى باعثة الحياة فى قصيدى ، وهى الشجن الباقى ما بقيت لى أو لأثرى الشعرى حياة ، وإنى لأراها ورائى حال كل إمساك بقلم ، فكأنما هى أمامى تذود عما يسطره الوجد حفاظا عليه وعناية به ، فكيف لا يفيض نهر سناها فى أعمالى ؟!

لماذا تتمسك بكتابة الشعر العمودى الموزون المقفى ؟
لأن الشعر كذلك ، وما سواه مما يقال عنه لا يعدو كونه من فوضى من القول ، أو من تعابير مرضى الأنفس أو الشياطين الأدعياء ، فما دون الشعر العربى الموزون المقفى مطلقا أو فى مقاطع تلزم البحر الخليلى والقافية إنما هو جنس قولى لقيط أو من سفاح باجتراء ، لا تقيمه فى نسبة إلى أصل غير أحرف تتاح للنثر .

لماذا يتميز شعرك فى هذا الوقت بأنه يحتاج لمن يشرحة ، وليس للإنسان العادى أن يفهمه دون اللجوء إليك ؟
إننا ــ نحن الشعراء ــ طبقات ، وبحسب الشعر وجدانا فإنه هو ذاته ذو سلطان قوى مُلزمٌ ؛ يفرض سلطانه على قاموس شاعره المطبوع ، كما يفرض عزة لغته بقدر اتساع شاعره على اللغة، فالكلمة فيه ذات قدر ، لا تقبل سواها فى مكانها الحق ؛ لمكانتها ، وبمعنى آخر فإن ” الكلمات عندى أناسى ، تختار أماكنها بمكاناتها ” ، فإنزالها عن مكانها المكين إهدار للقيمة ، وإفساد للشعور الذى يسمو بها، فبسط معانى الشعر الشعر دورُ النقد الذى لم يأت إلا لإبانة ما يستغلق على غير المتخصصين من المتلقين ، وإنما بُعد النقدة عن تبيين أمثالنا وراء القصد من سؤالكم فى نظرنا ؛ فلم يكن لسؤالكم هذا مكان زمنَ أساتذتنا : البارودى، وشوقى، وحافظ، والعقاد، والمازنى ، وأحمد محرم ؛ إذ كانت للنقد والنقاد أدوار فعالة آنذاك ، فكان لذوى البيان من يبينون للكافة زبدة عطاياهم ، كما كان يُحسَب للمبدعين أو يُحسَب عليهم ، وبذلك كان تمايز الأذواق والسمو بالمعانى فى مراقى الآفاق آفاق الإبداع والتلقى جميعا .

لماذا تتمسك فى شعرك بالألفاظ الصعبة ؟
لا والله ! ليس تمسكا ، وإنما أرى مرد ذلك إلى حبى للغة ، ومن مظاهر ذلك محاوراتى الدائبة للمتاح لى من مفردات لغتنا المعطاء ذات الثراء الأكبر من بين كل لغات أهل الأرض ، فتحيا معى كل كلمة جديدة علىَّ تسألنى مكانها ، وأسألها دلالاتها ، ويتأصل عندى بقاؤها ، ويتجذر، فمتى دعاها معنى عندى لبته ، فتظهر فى شعرى كلمات كثيرة ، قل أو ندر توفرها بقصيدة لسواى ، من مثل : عروب ــ ظاعن ــ مظنة ــ ظنين ــ اللزوب ــ العجوب ــ الذهوب ، … إلى غير ذلك ، فلا جرم أن ننهل من لغتنا وكلامها المبين ما يتجدد بالشعر الذى يجيد تجديد حياته وحياة جلال اللغة ، واسمح لى حضرتك بقولى أن : اقرأ ونقب تَهتدِ وتعرف .

كيف تصنف نفسك ؟ أو من أى الشعراء انت ؟ أمن المحافظين أم من المجددين ؟
أستطيع القول بأننى ابن المحافظين والمجددين ، وأننى ابن الرومانسية التى هى أم المدارس ، حتى إنك لتظننى من مدرسة الديوان ، من خلال قراءتك نصا لى أو نصين ، ثم تجدنى أقرب ما أكون إلى أبوللو ، ثم يعارضك برهان من شعرى ، يدعوك إلى اعتقاد بأنى من مدرسة جبران أو إيليا ، وهكذا ، فليكن الجواب أننى ابن أبى الذى هو ابن أصلنا العربى المتجلى فىَّ من أصلى ، وأفاخر أنى ابن أصل عريق .

أنت شاعر كبير منذ عشرات السنين ، فما الجديد الذى أتيت به ، ولم يأت به غيرك ؟
هذا سؤال قد يكون عصيا ، وإن كان أستاذنا أبو العلاء المعرى قد قال فيه جوابا قديما ، ولكنى كفلاح حيى أقول بأنى طوعت للعروض بحرا هو الشفيف ، وتفعيلاته :
مفاعلن فعولن مفاعلن فعولن ( للشطر ) ، على ألا يكون طروء علل أو زحافات على ” مفاعلن ” ، وإنما يكون الطروء على” فعولن “، وذلك مشروح بما أوقر به العلماء أهل الصفة ؛ بتركى التفصيل فى ذلك لهم ، وقد أشرت إليه بهامش صفحة 23 ، بهامش النص الشاهد ، فى ديوانى ” شجون مسافرة ” ، طبعة 2001م ، وكذلك كان بحر المبارك ، وبيانه بشاهده فى ديوانى ” نشاوَى سَحر”، طبعة2001م أيضا ، ثم جاء تام بحر المديد ، وشاهده وبيانه بديوانى ” خلجات صبارة ” ، طبعة 2006م .

هل تحب أن يعود إليك القراء دائما ليفهموا منك شعرك ؟
بل أحب أن تسمو ذائقاتهم سموا يزكيه إيمانهم بقيم الجمال والقوة والخلود فى لغتنا ، فيأخذوا عنها ، كي يعرفوا ، ثم تسهل عليهم القراءة ومجاورة المبانى والمعانى ومحاورتها .

أين أنت من القصة والروايه وباقى فنون الأدب العربى ؟
أعايشها جميعا ، وأحبها ، لكن الشعر أمرنى ألا أكون لغيره ، لا لأنانية ، وإنما ليحفظ طاقاتى فلا تتشتت .

هل ترى كما نرى أن الموشح أضاف إلى دواوينك ؟
نعم ، أضاف الموشح إلى أعمالى شرف المحافظة على تجدد الحياة فى فن الموشح الذى هو آية التجديد الكبير فى شعرنا العربى ، ومفتاح أبواب التجديد فى شعر الغرب الذى كان مولد الموشح على بعض أرضه وبعض دياره ، ولم آت إلى الموشح مقلدا ، بل مستقصيا ومضيفا على استحياء إيجابى ؛ فعنيت بتشكيله وبنيته ، بإلباسهما لباس أصالة المنبت ، فبحره عندى خليلى صرف ، بلا مجاوزة ، وأجزاؤه أو عناصر نصه ( الموشح التام والأقرع بأغصانه وأقفاله ) على النحو الأول ، وإن كانت لى إضافة التعديل أحيانا فى المذهب حين يتم ختم الموشح به ، ولا يجاوز التعديل عندى أكثر من ثلاث كلمات أو أربع ؛ حتى يعاد ــ عندى ــ تكثيف الرؤيا والرؤية ، باعتبارهما خلاصة من سلافة المعانى التى يحتويها موشحى أنا ، وعلى ذلك ألزمت الموشح عندى سلامة اللغة الفصحى ، والتأبى عما سواها .

لماذا لا تكاد أن تكون موجودا بالساحة الأدبية إلا فى أندر النادر الآن ؟
معظم الساحة الأدبية الآن تغرى بالانفتاح على ما تفسد به الأذواق، وتحفل بالفكر التغريبى، وتستنكر الالتزام بالثوابت فى فنون اللغة ، وتدعو لتحطيم جل تراثنا الأصيل ، ناهيك عما يتسلل إليها من وحى التوجيه للممالأة والتحزب والتعصب ، وما فشا فيها من تدافع” الشلل” وتنازعها ، ورفض المشاركة التى توقر مجالس الكبار .

أعمالك الأدبية كثيرة، فلماذا لم تحظ بما حظى به شباب الشعراء فى هذا الوقت ؟
يجيبك عن هذا السؤال كونى لم أكن تابعا أو محابيا أو متملقا أو شكاءً أو ماثلا أمام أبواب جهات النشر بوزارة الثقافة التى يعرفنى كبراؤها منذ أحقاب ، كما تجيبك توجيهات إعلامية معروفة منذ قرب نهاية سنة 1981م ، وما ترتب عليها من عزوف أقسام متخصصة بكليات تتوفر للغة العربية وآدابها ، ولعل من الأدلة على ذلك رفض ثلاثة أقسام بثلاث كليات تسجيل رسالات دكتوراه حول منجزى الشعرى ، والأغرب أن أحد من رشحونى لذلك أستاذ متخصص فى البلاغة والنقد رفيع القدر ، ولم يجب عميد الكلية مطلبه . والحديث يطول .

أنت من جيل العظماء ، فأين أنت منهم ؟
إن كان قصدكم أنى من رجال البطولة فى رمضان / أكتوبر والنصر فأنا أحيا بدارٍ بها مفاخر ما استطعت أنا وزملائى أن نقدمه ، وإن قصدتم كفاحى لصنع ذاتى فعزتى أنى بنيت نفسى بنفسى عصاميا ، تترفع روحى عن كل ما لا يليق بالعزة والنبل ، أما إن كان ذلك بشأن مرافق وزارة الثقافة فإن الجواب عن سؤالكم عندها ، وسيأتيكم منها ملتويا توشبه زخارف ما يغرى بالتهويم وما لا يقنع بحجة أو صحيح بيان .

لماذا تتهم بالتقصير منذ سنوات عدة ؟
لأنى أنكرت بمرافق الساحة الأدبية كثير شطط ، ومخادع واقع، وزج توجه مقصود ، ولأنى ضقت بذلك وبغيره فقد عزفت حتى عن نادى الأدب الذى هو مما أسست .

منذ متى كان آخر ديوان شعرى لك ؟
منذ سنة 2015 م ، إذ صدر ديوانى ” مقامات الوجد ” .

هل ثمة أعمال قد تتم طباعتها فى القريب العاجل ؟
أجل ؛ ديوانى ” راحُ الحنين ” ، الذى كانت طباعته مقررة وكان صدوره واجبا مع أول سبتمبر 2019 م ، ففيه قصائد رثائى شهيدة الغريتين ليلى ، ومع رثائى إياها ما قلته فيها ولم تتسع له مساحة فيما تمت طباعته قبل ” راح الحنين ” .

لماذا يتسم شعرك أغلب الأحيان بالأحزان والبكاء على الاطلال ؟
شعرى شعر الطبع ، لا يعرف الصنعة، ورحلتى فى الحياة قائمة على مغالبات مصاعب هذه الحياة ، فكان لابد أن تظهر لى الابتسامة وحولها جيوش الأحزان التى تحاول النيل منها فلا تستطيع إلا قليلا ، ويطلق كل ذلك فيض الشعر للعيان .

على نفقة من تطبع دواوين شعرك ؟
على نفقتى أنا طبعا ، كما أشرت آنفا ، وكثيرا ما يعطلنى ضيق ذات اليد عن الطباعة ، لكنى لا أتملق من أجل الطباعة أحدا، بل أعطل أساسيات عندى ، لأوفر ما أطبع به ما أطبع ، وأوزعه هدايا محبة .

أين أنت من الإعلام ؟
أنا فى حل منه الإعلام؛ لصمته عنى، منذ سنة2014 م، إلا من حدائق محبة كبراء منهم الأستاذ / يسرى حسان ــ جريدة المساء ، والأستاذ الكبير / صفوت ناصف ـ جريدة الدستور ، ومنبر الأستاذ الإذاعى الكبير / السيد حسن ، وها أنا الآن بظلالكم كما كنت حيث أسلفتم .

ماذا ترى أن نختم به حوارنا من شعرك ؟
* ــ لكم هذه مع تحياتى :
سَوْفَ آتِى

غِبْتُ حِيـنًا ، غِبْتُ لَـكِنِّى سَآتِى
طَـالَ طُـولُ البُعْــدِ ، لَـكِنْ لَمْ أهُـنْ
لَمْ أَضِعْ فِى عّصْفِ لَيْلَاءِ الَّليَالِى
لَا ، وَلَا فِى القَرِّ ، أو حَرِّ الْمِحَنْ
إِنَّمَا عِـزُّ الفَتَى فِيــــــــــمَا تَصَـــدَّى
لِابْتِـلاءَاتِ الَّليَـــــــــــــــالِى وَالشَّـــجَـنْ
إِنْ أَكُنْ غُيِّبْتُ فِى عُـــــرْفِ البَرَايَا
فَالْعَـــــــــــزَاءُ الآنَ أنِّــى فِـــى الـزَّمَـنْ
لَيْسَ بِدْعًا أَنْ يُرَى هَذَا التَّغَاضِى
إِنَّ طَبْـعَ السُّــــوءِ تَغيِيبُ الحَسَــــنْ
غِبْتُ ، لَـكِنْ لَمْ أُضَيَّـعْ مِنْ وُجُودٍ
يَحْتَـفِى ، فَالْحُبُّ بِى خَــيْرُ الوَطَــنْ
لَــمْ أمُتْ ، إنِّـــى لآتٍ عَـنْ قَــرِيبٍ
حِينَ يَصْحُو الْأيْنُ مِنْ ذَاكَ الْوَسَنْ

تعليق (1)

1

بواسطة: محمد سليم خريبة

بتاريخ: 22 أبريل,2019 8:53 ص

تحياتى للأستاذ عفيفى عبد الحميد ، ولأسرة التحرير ، ويبقى التواصل النبيل .

اضف تعليق