ads
ads

النقل في ميزان العقل

السبت 09-03-2019 00:56

حوار أعده للنشر ناصر خليفة

أحد طرفي النقاش في البداية كان التساؤل : أين تكمن الحقيقة المطلقة ؟ هل تكمن في عقيدة الإسلام أم في نظريات العلم الحديث، في أحكام المنطق العقلي أم في ثبوت النص أم في التأويلات المختلفة.. ويبقى الجدل حول كتب التراث قائما

يقول الكاتب الصحفي المصري “علي بريشة” : كانت نقطة الإنطلاق التي أبدأ بها كل مناقشة : يجب أن لا يدعي احد لنفسه امتلاك الحقيقة المطلقة .. لا أنا ولا أنت ولا شيخ الأزهر ولا البخاري ولا غيرهم ..

فكان : الحقيقة المطلقة عندي جاءت وتأكدت لدي من خلال ايماني بالواحد الأحد من خلال رسالة نبي الإسلام ومعجزته القرآن الكريم فهو الحقيقة المطلقة بالنسبة لي، “كتاب لا ريب فيه” .. وإذا اختلف بعض أهل العلم في تأويل بعض آياته فلا بأس في ذلك، فهذا شيء صحي في العقيدة وليس “عوار” في آيات القرآن ..

يرد بريشة : أنا فقط أعبر عن قناعاتي، فالدين بالنسبة لي أمر شخصي، و من حق كل واحد أن يكوِن قناعاته الدينية عبر علمه وثقافته وبيئته ومشاعره وضميره، ويضيف : أنا أؤمن بالإختلاف وأعتقد أن كل واحد من حقه أن يبحث عن الله بطريقته وألا يفرض قناعاته الدينية على الآخرين .. فتساءلت : وعلاما النقاش إذن طالما كانت وما زالت تلك هي قناعاتك المطلقة وأيضا تؤمن بالاختلاف، فبأي شيء تحاول إقناعي؟

أجابني علي : أنا أتناقش معك ليس لأقنعك بشيء .. وإنما لأن المناقشة في حد ذاتها تتيح لكل منا أن يرتب أفكاره ويبحث في أعماق معتقداته عن مناطق ربما لا يستطيع أن يصل إليها بغير التواصل والمناقشة مع الأصدقاء.. ويكمل : دعني اوضح لك شيئا : مشكلتك يا صديقي أنك تعتقد أنك تمتلك الحقيقة المطلقة !

“كغيرك ممن يتكلمون في الدين من شيوخ السلفية وغيرهم” وتفترض لنفسك حقوقا (باسم هذه الحقيقة الإيمانية المطلقة ) لا تمنحها للآخرين .. فتفترض مثلا أن غيرتك على دينك تبرر لك أن تمقت فكرا مختلفا أو ترفضه .! قاطعته : عندما يقول الله في كتابه العزيز “وما فرطنا في الكتاب من شيء ”

فمن المؤكد أن هذا عنوان كبير لحقيقة مطلقة ثم تُكتشف أجزاء حقائق الأشياء على مر السنوات والعصور وحتى قيام الساعة “هذا ما اعتقده” لكن عندما يصل الأمر بمن يتحدثون عن التنوير والتفكير العلمي إلى حد التشكيك ومحاولات الهدم الصريح والمباشر للعقيدة بحجة التجديد ؛ فلا تنكر علي أن اعترض وارفض هذا التجاوز والجور والافتراء . حتى وصلت افتراءاتهم القرآن الكريم ! هل محاولة تشويه القرآن تفكير وتنوير ؟! في حين أن الله يصف القرآن في الايه ١ سورة الكهف فيقول : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا ” .. القرآن لا عوج فيه منزه عن كل نقص ..

فقاطعني وقال : بنفس المنطق تبقى غيرتي على ديني قائمة فتجعلني أنا ايضا أمقت فكرا مختلفا وأرفضه .. وإذا كانت غيرتك على دينك تجعلك ترفض مثلا من يعرض أفكارا جديدة وتراها (تطاول) على الإسلام .. انا ايضا أعتبر غيرتي على ديني تجعلني أمقت من يعرض أفكارا قديمة مثل (الناسخ والمنسوخ) لاني لا اصدقها وأعتبرها (تطاول) على الإسلام ، بمعنى أن لدينا من يدعون أنهم علماء دين ورجال دين يتحدثون عن قضايا من شأنها تضر بالعقيدة وتذهب بعقول الناس حيث انها لا تتوافق مع العقل والعلم ! أليس كذلك يا صديقي ؟!

فأجبته ليس كذلك يا علي ..

فلاحقني بسؤاله كيف ؟

فقلت : أنا فقط ارفض ما اعتبره تطاول علني من فوق منابر الإعلام وهو بالفعل تطاول على معتقد إتبعه الملايين من الناس على مدار أربعة عشر قرنا، فالأسلام ليس نظرية فكرية أو سياسية أو اقتصادية ولمويكن محمد فيلسوفا يونانيا ! وليس معنى غيرتي على ديني اني متشدد لحد العنف ، ولست متعصبا لدرجة تكفير الناس كما فعله ويفعله المتطرفون الارهابيون ! بل أنا اتناقش كما اتناقش معك بالعقل تارة وبالقلب والعاطفة تارة اخرى ..

انتظر هنيه ثم أردف قائلا : الحل الوحيد هو تقبل الإختلاف .. ونبذ التعصب .. وأن تعبد الله كما تريد وتمارس قناعاتك الدينية كما هي وأن تحترم في نفس الوقت قناعات الآخرين الدينية حتى لو اختلفت معك في التوجه أو في المذهب أو في العقيدة .. فالله سيسألك عما جاش في صدرك وليس عما كان يجيش ويجول في صدور الآخرين ..

فقلت احسنت وازيدك “ولا تزر وزارة وزر اخرى” لكن ألا ترى أن الإسلام دين قائم على العبادة الجماعية ،الاسلام ليس دين شخصي، لكي تتخذ منه طقوسا شخصية على هواك الفردي، الاسلام في أركانه عبادة وشعائر جماعية ، فالصلاة جماعة والحج جماعة والصيام موحد في التوقيت والشروط، وكذلك الزكاة للفقراء كلها فروض جماعية، لأن الإسلام جاء ليشكل ويوحد مجتمع متعاون متماسك مترابط ، كيف يكون كل واحد مع نفسه يتعبد في محرابه الخاص به، ولا عليه بالآخرين ! إذن لماذا بُنيت المساجد، ولماذا شُرع الحج، ولماذا أمرنا بتوحيد أوقات الصلاة والصيام ؟! أليس لتجميع المسلمين .!

ويبقى الحوار

اضف تعليق