ads
رئيس التحرير
ads

الروائية السورية ميرفت أحمد علي: الأدب السوري لم يرتقي للتعبير عن الأزمة السورية

الثلاثاء 29-01-2019 08:45

حاورها/ عبد الحليم نور الدين
**********
هي أديبةٌ اختصرت المراحل الزمنية ، و قفزت بسرعة البرق إلى مراتبَ أدبيةٍ عالية، و ارتقت منابرَ مشهودٌ لها بالنزاهة في التحكيم، و في اختيار الأصوات العربية الشابة المُجدِّدة في الشكل و المضمون، إلى جانبِ أربعَ عشرةَ جائزة أدبية عربية، و أكثر من إحدى و عشرين جائزةً محلية في أجناسٍ أدبيةٍ عديدة. و اليوم تسلكُ الكاتبة (ميرفت أحمد علي) مسلكَ الأدب الساخر الناقد فيما تبدعُ من مسرحياتٍ و نصوصٍ قصصية، و مشاريعَ روائيةٍ تلقَّفها النقدُ بعنايةٍ و باهتمامٍ بارزَيْن. حول واقعِ الإبداعِ السوري الحالي، كانت لنا في ايجبت بوست وان وقفة معاها

الأزمة السورية أثرت على الأدب 

برأيك هل الرواية الآن تأخذ دوراً حقيقياً على صعيد الثقافة ، و أخص العربية السورية ؟
لا بد من الاعتراف بأن الرواية غدت المنافس الأول للأجناس الأدبية المتعارف عليها ، سيما في السنوات الأخيرة . يزداد الطلب عليها في دور النشر ، فهي الأكثر تلبية لرغبة القارئ العربي ، و لقدرتها على الأرشفة و الخوض في تفاصيل الحياة ، و التنقل اليسير بين الأزمنة و الأمكنة و الأحداث . إضافة إلى متعة التخيل و التشويق . لكني أجدها ــ و السورية منها بخاصة ــ أقل وفاء لمتطلبات المرحلة الراهنة اجتماعياً و سياسياً ، فالروايات السورية اليوم تفتقد إلى عنصري المكاشفة و الجرأة في النقد و التقييم لأداء المجتمع السوري ، غابت عنها السخرية بظلالها الإيجابية و أعني بها إمتاع القارئ في عمق مأساته ، و إضاءة مواطن الضعف و الخلل بروح الفكاهة و التندر ، فافتقدت إلى الإثارة و التأثير ، و نأت الرواية السورية عن المغامرة السردية و المجازفة الفنية فلم تواكب النزعة الحداثية ، و لم تشق سبيلاً إلى التجريب مقارنة بالقصة القصيرة و بالشعر و المسرح . و بالمحصلة : و هذا رأي شخصي ..لا أجد اليوم للرواية السورية تأثيراً فاعلاً في القارئ ، أو قوة جذب و حضور و إلا …فجد لي رواية منذ عشر سنوات على الأقل قد أحدثت ضجة إعلامية تنبئ بجدارتها ، أو احتفاء نقدياً و تكريمياً يعكس تفوقها و ريادتها !

 الرواية السورية ، هل قدمت شيئاً خلال الحرب ؟
ما ذكرته سابقاً يمهد للجواب عن هذا السؤال. صراحة و مع المحبة و التقدير للزملاء الأدباء أقول: لم يرتق الأدب السوري بعد نثراً و شعراً إلى مستوى المسؤولية الجادة في التعبير عن الأزمة السورية ، و في تصدير مآسيها بحرفية و بإتقان إبداعيين يتماشيان مع حجم هذه المأساة . مع فداحة أضرارها النفسية و المادية …البشرية و الاجتماعية بخاصة . و لم تغص هذه الإبداعات في قرارة العقيدة الإرهابية الفاسدة ، و تفضح ضحالتها و تشوهاتها نفاذ المجهر إلى أدق الجراثيم و الفيروسات . و عموماً فالروايات التي عالجت الحرب الدامية في سوريا قليلة حال الروايات التي رصدت أحداثاً مماثلة في دول مجاورة كالعراق ، و التي واكبت ما يسمى بــ ( ثورة الربيع العربي ),فالتقصير في مقاربة الحقيقة في أعمق درجاتها ، و النمطية و تذبذب الرؤية ، و الانفعالية و المباشرة …حولت الروايات على قلتها إلى نسخ عن نشرات الأخبار و حديث الصحافة و تقاريرها الجافة . و غاب بالمقابل البعد الإنساني السحيق و بالتالي قوة التأثير في القارئ . و هذا لا ينفي تفوق بعض كتاب القصة في التعبير عن مأساوية الأزمة السورية و ظلالها النفسية الحالكة مثل القاص ( سامر أنور الشمالي ) في قصته ( الرصاص الفارغ ) و الشاعر الباحث الدكتور ( ثائر زين الدين ) في قصيدته ( مشاهد سوريّة ) على سبيل المثال لا الحصر . أما الرواية بظهوراتها الخجولة و بأدائها المتسرع فلطأت في خانة ( رفع العتب ) فيما صدر منها .

الكتابة لا تحتاج لزمن بل رؤيا

متى تكتبين الرواية في زمن تراجع فيه الأدب ؟
( متى ) …ملفوظ يستدعي الزمن . أكتب الرواية في الوقت الذي تفرض فيه الرواية نفسها علي . لا يهم زمن الكتابة إن كان صباحاً أو ليلاً أو حتى ظهراً . و لا يرتبط بفصل شتاء أو صيف أو بطقس زماني و مكاني معين ( ريف ، جبل ، بحر ) ، المهم أن تداهمني شهوة الكتابة و تفرض حضورها بل سلطانها على قرطاسي و قلمي . هذا فيما يتعلق بالشق الذاتي من الإجابة ، أما في الشأن الموضوعي فالكاتب يُقبل على الكتابة حين يتوفر دافع خارجي و محرض قوي على التأليف …كأن تتبنى دار نشر ما إصدار أعماله دون قيد مادي أو رقابي أو فكري ، و هذا ما نصبو إليه نحن الكتاب : التمويل و التوزيع للمؤلف على نطاق إقليمي إن لم يكن عالمياً . و حين يجد الكاتب فرصة أو عرضاً استثنائياً لطباعة و لتوزيع أعماله سيبادر حتماً للكتابة دونما تردد ،سواء شهدت السوق الأدبية كساداً و تراجعاً أم لا .

هل تجدين نفسك في القصة أم في الرواية ؟ و أيهما أكثر حضوراً ؟
بالرغم من أنني أبليتُ بلاءً حسناً في القصة القصيرة بشهادة أهم النقاد في الوطن العربي و منهم الأديب المصري ( جمال الغيطاني ) و الناقد الدكتور ( نضال الصالح ) على سبيل المثال . إلا أنني اليوم أتوق إلى فضاء الرواية و مداراتها الخلابة الآسرة ، فنفسي تهفو إلى التحلل من قيود الزمان و المكان و الفسح الضيقة . و أراني مولعة بالحيثيات و بالتفاصيل و بالتقاط دقائق الحياة و خباياها في مكوناتها البشرية و الجغرافية ، المادية و التاريخية . و قد صدرت لي مؤخراً رواية عن دار نشر ( مها ) في مصر حققت المرتبة الأولى في مسابقة الدار للرواية العربية ، و صدرت أيضاً رواية جديدة عن دار ( الوليد ) للطباعة و النشر و التوزيع ، مما حثني على التمسك بالرواية ، و أكد سلامة اختياري للجنس الأدبي الذي يشكل صدىً لدخيلتي و ترجمة لذائقتي الإبداعية . و الذي يعد أكثر حضوراً و انتشاراً اليوم .

إهمال القصة والإهتمام بالشعر

القصة القصيرة جداً …هل أثبتت حضوراً ؟
القصة القصيرة جداً أو الــ ( ق.ق.ج ) ظاهرة أدبية حديثة . شاعت في سوريا في عقد التسعينات كما تعلم أستاذ ( عبد الحليم ) ، و تهافت الكتاب سيما الشباب عليها تهافتاً لافتاً و تنافسياً . و كان للأديب ( أحمد جاسم الحسين ) فضل الترويج لمنتدياتها ، و التأسيس لمقوماتها و أهمها : التكثيف و الاختزال للحدث و للفكرة ، و التصوير البلاغي و عدم المباشرة ، و القصر ( بضعة أسطر ) ، و اختيار عناوين لمّاحة و دالّة و ساخرة أحياناً . و لكن قلة من الأدباء السوريين قاربوا هذه المزايا في خطابهم القصصي . و كثير من النقاد الذين تنقصهم الكفاءة تهافتوا على النقد و التنظير و الترويج لفن القصة القصيرة جداً ، مما يفسر أفول نجم هذا المولود الأدبي مبكراً و سريعاً . و كما هو شعر الومضة ….كذلك هي قصة الومضة أو الــ ( ق.ق.ج ) تحتاج إلى من يمسك بخيوطها الفنية ، و يجيد حياكة مسرود قصصي فذّ و مؤثر بلاغياً و ذهنياً و جمالياً في القارئ . و لما كان هذا الحائك للنسيج غير متوفر بكثرة ، فقد كسدت البضاعة و أفلس التجار و المروجون مع الأسف . فطبيعة العصر الحديث تتطلب السرعة في الإرسال و التلقي ، و تتطلب تطوير و ترسيخ لفنون أدبية تفي بهذا الغرض كشعر الومضة و القصة القصيرة جداً ،ً أو قصة ( طَرفة العين ) .

ما سبب هذا التدافع على كتابة ما يسمى بـ ( الشعر ) ؟ و السعي إلى المنابر ، و تراجع القصة عن السنوات الماضية ؟
صدقت أستاذ في توصيف أكثر ما نسمع على المنابر اليوم بـ ( ما يسمى بالشعر ) ، و قد تراجعت القصة و نكصت على أعقابها لأنه لا منابر ثقافية للقصة ! ، أنظر إلى عدد المهرجانات القصصية التي تقام في الحواضر العربية …تكاد تقتصر على مهرجاني ( بلقصيري ) و ( موكادور ) في المغرب . و الدعوة إلى هذه المهرجانات لا تشمل تكاليف السفر ، بل تكاليف الإقامة و الإطعام فقط ! ناهيك عن الحصار العربي المركز على السوريين بخاصة ، و صعوبة الحصول على تأشيرة خروج لاعتبارات سياسية . أما الشعر فحاله أفضل ، فمهرجانات الشعر في العراق و تونس و مصر و إيران مزدهرة ، و بعضها مشمول بتغطية التكاليف و الرعاية الإعلامية ، مما يمنح الأدباء مبرراً قوياً للتراجع عن الإصدارات القصصية ، و للالتفات إلى الشعر ( مدلل المهرجانات و المنابر ) ، حتى و لو افتقدَ معظم هؤلاء إلى الموهبة الشعرية ، فالعلاقات الشخصية ترمم النقص و تشفع لكثير من المتطفلين على البيت الشعري بدخوله دخول الفاتحين المنتصرين . و هذا ما يحدث حالياً …أسماء لا علاقة لها بالأدب يتوج أصحابها كضيوف شرف في محفل شعري ضخم ، أو كنقاد أو كمشاركين في ندوات و مؤتمرات يرصد لها اهتمام كبير ، و ينطبق عليها القول الشائع : ( أسمعُ جعجعة و لا أرى طحناً ) .

تأثير الأدب علي الشعوب

كيف ترين مستقبل الأدب ؟
سؤال جميل . أرى الأدب محركاً قوياً لوجدان الشعوب . يتأثر بها و يؤثر فيها . يؤرخ للمجتمعات و للبشر و يتلقف رغبات الإنسان و أحلامه و همومه و اهتماماته بكثير من الأمانة و الوفاء ، فيعبر عنها و يترجمها للأجيال الحاضرة و القادمة بنبل و بسمو يليق بالإنسان صانع الحضارات ، و يليق بهذا النوع من الفنون…( الآداب ) ، و بهذا المنظور أجد الأدب ابتكاراً بشرياً نزيهاً عظيماً مائزاً ، لا يقل أهمية عن أعظم الاختراعات الذرية و الألكترونية و الميكانيكية و سواها . بيد أنه ما يزال عند العرب مشكوكاً بأمره ، و مقللاً من جدواه و من رسالته الحضارية السامية . و عسى أن يأتي اليوم الذي يكرم فيه العرب أدباءهم التكريم اللائق ، عندها سيتغير وجه أمتنا العربية ، هذا الوجه الذي ينفرد صناع السياسة حتى اليوم في تحديد ملامحه . أما صناع الأدب ففي منأى عن التأثير بشعوبهم و بمجتمعاتهم ، نتيجة تحييد الأدب عن المسار اللائق به ، و غياب الرعاية و الاهتمام الرسمي .

كلمة أخيرة ؟
أشكركم أستاذ ( عبد الحليم نور الدين ) على هذه المقابلة ، و على ما تضمنتهُ من قضايا أدبية مثيرة للجدل و مُواكبة للشأن الإبداعي المعاصر لحظة بلحظة ، مما يؤكد ضرورة أن يولّى الأديب الكفؤ و الإعلامي الجدير مثلكَ مكانة لائقة ، من شأنها أن تخدم الإعلام المحلي و الأدب و الإبداع السوري الخدمة التي تليق بهذه الصروح البناءة و الفاعلة في حياة الناس .

اضف تعليق